حسن الأمين

282

مستدركات أعيان الشيعة

أسناننا مسنونة وكذا الكروش مهيره حتى إذا نضج الطبيخ علت لذاك ( الهوبره ) وكذا النفوس استبشرت من بعد ( عوف التزكره ) ما كنت تسمع حين نأكل غير صوت الشخورة حتى حسبنا أنه بلغ الطعام الحنجرة ثم انكفانا راجعين كما أتينا القهقرة هذا حديث ذهابنا أغناك عن أن تحضره إن كنت فيه مقصرا فإلى الرفاق المعذرة وبلغت القصيدة والده فضحك لها طويلا وأعلن إعفاء جعفر من حضور درس الألفية . ولقد أفادتني هذه الدروس في قابل أيامي سواء منها دروس النحو أو دروس الفقه . على أنني لم أكن أقبل عليها إقبالا كاملا ولم أكن أعطيها ما يجب أن تعطى من عناية واهتمام . وإنما كنت أتابعها مسايرة مني لوالدي وتنفيذا لرغباته . ثم أدركت بعد أن وعيت تمام الوعي كم كنت مخطئا بقلة عكوفي على تلك الدروس وعدم الانكباب عليها . فان ما ظل عالقا في ذهني منها أراني كم كان يمكن أن تكون فائدة الكثير والأكثر . الإعلان في القرية كان إذا احتيج في القرية إلى إبلاغ الأهلين جميعا أمرا من الأمور التي تتعلق بهم كلهم من شؤونهم العامة أو الخاصة . استخدمت لذلك المناداة العامة من على سطح مسجد القرية أو أي مكان عال آخر ويكون ذلك ليلا حيث يقف ناطور القرية فيبدأ المناداة قائلا : يا أهل البلد أجمعين أولكم محمد وثانيكم علي وثالثكم فاطمة بنت النبي ويكون هذا القول تمهيدا لما يريد أن يقوله ولفتا للأسماع واجتذابا للآذان . ثم يشرع بعد ذلك بإبلاغ ما يراد إبلاغه . على أن هناك إعلانات خاصة تتعلق بالمعلنين أنفسهم وتجري لمصلحتهم . وهذا يحصل مثلا بان يكون اليوم يوما مطيرا يتعذر معه المكث خارج البيوت . ويكون أحد القصابين قد أعد ذبيحة لبيع لحمها . والعادة في الأيام العادية هي أن يجري ذلك في ( الساحة ) التي هي سوق القرية ومجتمعها ، حيث يلتقي جميع أصحاب الحاجات بما فيهم المفتشون عن اللحم . ولكن حين يتعذر الخروج والمكث تحت المطر لا يستطيع القصاب تعليق ذبيحته في الساحة ، ولا يدري الناس إذا كان اللحم موجودا أم لا ، ولا من هو القصاب الذي ذبح اليوم . في هذه الحالة ، يرسل القصاب ولدا أو ولدين يغتنمون فرصة انقطاع المطر لفترات فيجولون أزقة القرية صارخين : يا الله على اللحم . . . عند السيد إبراهيم عاشور . . . ( مثلا ) . وعند ما يتعالى النداء يرهف الناس آذانهم ليستوعبوا ما يقال . فحين يفهمون يهرعون للتزود باللحوم وأكثر ما يكون النداء على اللحم ، وقد يكون لغير اللحم . طبقات القرية الطبقية في القرية العاملية لها مفهوم غير المفهوم الذي يمكن أن تدل عليه عند إطلاق كلمة طبقية . فهي طبقية ولكنها ليست ذات امتيازات اجتماعية تتمتع بها طبقة دون طبقة بل هي طبقية تدل على طبيعة العيش وإمكانية الحياة . فمعظم القرى مملوكة لمجموع أهلها ، وقد تكون فيها ملكيات كبيرة لأسرة من الأسر ، ولكنها ملكيات لا تحول دون تملك الآخرين . ومع ذلك يظل فريق دون تملك للأرض . ومن هنا جاء تقسيم الناس في القرية . فمعظم القرى يقسم سكانها إلى أربعة أقسام ملاكين ، فلاحين ، شكرجية ، فلتية . أما الملاكون فهم الذين يملكون الأرض ولا يعملون فيها وإنما يعمل الفلاحون ويكون لكل فريق نصيب من غلة الأرض ويسمى هؤلاء الفلاحون ( المرابعون ) لأن حصتهم لقاء العمل هي ربع المحصول . والفلاحون هم نوعان : نوع يملك الأرض ويعمل فيها بنفسه ، ونوع لا يملك الأرض فهو يعمل في أرض الملاكين . وأما ( الشكرجية ) فهم الذين لا يملكون الأرض ويعملون في مصالح أخرى ولكنهم يستاجرون الفلاحين وأدواتهم ليزرعوا لهم في أرض الملاكين ما يسمونه ( شكارة ) يكون من نتاجها أكثر ما يحتاجونه من قمح وبرغل . وأما ( الفلتية ) فهم الذين لا يملكون الأرض ولا يعملون مرابعين ولا أجراء ولا يزرعون ( شكاير ) . ومن هؤلاء يكون العمال الزراعيون في الحرث والحصد ، والعمال غير الزراعيين كعمال البناء . العرس في القرية الزواج في القرية هو على الأعم زواج حب ، ويندر أن يكون زواج مصلحة أو زواج صدفة . فالناس يعرفون بعضهم بعضا وينشئون متلاقين إما على البركة أو على طريق العين أو في الحقل أو في ( السهرة ) وما دامت القروية شريكة في العمل تقوم بسهم وافر من الجهد سواء أيام الزرع بنثرها بذور الفول والذرة في الحقل وراء زوجها العاكف على محراثه ، أو أيام الصيف باجتثاثها سيقان العدس وأشباه العدس عند ( الحليشة ) أو بالتقاطها ما تساقط من سنابل القمح وجمعها ( شمائل ) عند ( الحصيدة ) . ما دامت القرويات قسيمات العمل في الحقول والبيادر والكروم و ( السحاري ) . فان الاختلاط محتوم والتعارف مفروض ، وسفور الوجوه قائم . . . ومن هنا كان زواج القرية على الأعم زواج حب . . . وقد يطول وقد يقصر زمن الحب ، وقد يلاقي زواج الحب عراقيل يصمد معها الحب حتى يتجاوزها . وتبدأ الشكليات بايفاد كبير في القرية للخطبة ، فإذا لقي الاستجابة ، ذهب من يحدد موعد القران ويسمونه في القرية ( العقد ) . وينطلق فريق من أقارب ( العريس ) على بيوت القرية يدعون الناس لحضور القران وهو إما أن يكون عصرا أو ليلا .